فن تدبر القرآآآآآآآآآآآآآن

الموضوع في 'المنتـــــــــــــــــدي الأســــلامي' بواسطة عصفورة الشرق, بتاريخ ‏22 مارس 2010.

  1. عصفورة الشرق

    عصفورة الشرق وما توفيقى ألا بالله

    إنضم إلينا في:
    ‏1 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    272
    الإعجابات المتلقاة:
    1
    نقاط الجائزة:
    0
    مكان الإقامة:
    مصر
    الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا
    وتَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا
    والصّلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه ،،، أما بعد :
    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} (174) النساء
    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } (57) يونس
    {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} (108) يونس
    في هذه الآيات الثلاث فقط تجيء هذه الأوصاف العِظام بأنالقرآن الكريم :
    هو البرهان ، هو النور ، هو الموعظة ، هو الشفاء ، هو الهدى ، هو الرحمة ، هو الحق .
    فأين قلوبنا نحن المؤمنين والمؤمنات من كتاب ربنا؟ وكيف يتسنى لنا ان ندرك بعقولنا وقلوبنا هذه الحقائق؟
    الجواب هووووووووووو " فن التدبر " لمن أراد أن يكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته ،
    والتدبر عبادة لا تحتاج منا لمجهود بدنى ولكنه يحتاج لعقل واعى يدرك ما يقرأ ويحلله ليتسنى له معرفة معانيه
    فهو عبادة عقلية ولكى نستطيع اتقان عبادة التدبر لابد لنا ان نتبع خمس مراحل نسلكهم مرحلة مرحلة وبالترتيب حتى نصبح من اهل القرآن وخاصتة .. وهما
    المرحلة الأولى : لابد من اليقين التـَّام أنك مع القرآن حي وبدونه ميِّت ، مبصرٌ وبدونه أعمى ، مهتدي وبدونه ضال .
    المرحلة الثانية : الأصل في خطاب القرآن أنه موجه إلى القلب .
    المرحلة الثالثة : كيف نقرأ القرآن ؟
    المرحلة الرابعة : بأي القرآن نبدأ ؟
    المرحلة الخامسة : كيف نستفيد من كُتب التفسير ؟
    ولنبدأ .. والمرحلة الأولى على بركة الله
  2. عصفورة الشرق

    عصفورة الشرق وما توفيقى ألا بالله

    إنضم إلينا في:
    ‏1 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    272
    الإعجابات المتلقاة:
    1
    نقاط الجائزة:
    0
    مكان الإقامة:
    مصر
    رد: فن تدبر القرآآآآآآآآآآآآآن


    المرحلة الأولى :
    لابد من اليقين التـَّام أنك مع القرآن حي وبدونه ميِّت ، مبصرٌ وبدونه أعمى ، مهتدي وبدونه ضال .

    كل قارئ للقرآن العظيم لابد له من هذا اليقين قبل قراءة آياته وسوره ، ولذا يقول الله  في سورة الكتب المنزَّلة ــ سورة طه ــ {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)} وأعظم الذِّكر هو هذا الكتاب الخاتم .
    فالقرآن هو الروح وبدونه أنت ميِّت {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} (52) الشورى
    والقرآن هو النور وبدونه أنت أعمى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} (174) النساء ، {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} (19) سورة الرعد .
    والقرآن هو الهدى وبدونه أنت ضال {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} (108) سورة يونس ،
    والحق هنا هو القرآن كما قاله ابن جرير وغيره ، وكل ما عداه من الحق المُبيَّن للناس فإنه تابع له .
    o ولذا كان وصف القرآن للمعرضين عنه في غاية الشِّدة من التَّنقُّص والذم ، وخذ مثلاً واحداً على ذلك :
    يقول الله  : {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} (51) سورة المدثر
    فهل تأملت ــ يا قارئ القرآن ــ بـِمَ وصف الله  المعرضين عن القرآن ؟
    أرجو أن تأذن لي لأقرِّب لك الأمر قليلاً ، فأقول :
    (الحُمُر) جمع حمار ، وهو معروف .
    (مُّسْتَنفِرَة) هي الشديدة النِّفار ، وهي الهاربة ذُعراً وخوفاً .
    (القَسْوَرَة) هو الأسد أو الرامي ونحوهما .
    والمعنى أن المعرض عن القرآن كأنه ــ عند ربه الذي خلقه ــ حمار ، وليس هذا وفقط ، بل هو حمارٌ هائجٌ خائفٌ مذعور .
    وصفٌ ــ والله ــ مخزي ، أجارني الله وإياك من ذلك .
    o ولعلك تتأمل هذه الأوصاف التي وصف بها  هذا الكلام الصادر منه جلّ وعلا ، فقد وصف الله  كتابه بأنه :
    1) هو الحقّ {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ} (31) سورة فاطر
    2) الهدى {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً} (52) الأعراف
    3) العلم وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ  (120) سورة البقرة .
    4) البرهان {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} (174) سورة النساء
    5) المهيمن {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} (48) سورة المائدة
    6) البركة {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ } (29) سورة ص
    7) الموعظة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} (57) سورة يونس
    8) الشفاء {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } (82) سورة الإسراء
    9) التذكرة {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } (49) سورة المدثر
    10) النور{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} (174) النساء
    11) الرحمة {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً} (89) سورة النحل
    12) الصِّدق {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (33) سورة الزمر
    13) المصدِّق {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} (31) فاطر
    14) العليّ {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (4) سورة الزخرف
    15) الكريم {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} (77) سورة الواقعة
    16) العزيز {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} (41) سورة فصلت
    17) المجيد {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ} (21) سورة البروج
    18) الفُرْقَانَ {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } (1) الفرقان
    19) فيه بصائر {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ } (20) سورة الجاثية
    20) وأنه مُحكم {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (4) سورة الزخرف
    21) وأنه مُفصَّل {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (3) سورة فصلت
    22) وأنه عَجَب {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} الجن
    23) وأنه بلاغ {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} (106) سورة الأنبياء
    24) وأنه بشير ونذير {بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} (4) فصلت
    25) وأنه بيان وتبيان {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} (138) آل عمران ، {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} (89) سورة النحل .
    أما تكفي هذه الأوصاف لندرك ما الذي نجنيه على أنفسنا بابتعادنا عن القرآن .
  3. عصفورة الشرق

    عصفورة الشرق وما توفيقى ألا بالله

    إنضم إلينا في:
    ‏1 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    272
    الإعجابات المتلقاة:
    1
    نقاط الجائزة:
    0
    مكان الإقامة:
    مصر
    رد: فن تدبر القرآآآآآآآآآآآآآن

    [align=center]المرحلة الثانية :
    الأصل في خطاب القرآن أنه موجه إلى القلب .
    القلب أمره جلل وهو سرٌ من أسرار الله في الأرض كما قال القائل :
    للقلب سرٌ ليس يعرف قدره *** إلا الذي أتاه للإنسان
    ولذا في هذه الشريعة الخاتمة جاء التعظيم لشأن هذه الجارحة كثيراً ، ولو لم يأت إلا ما ثبت في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير أن رسول الله قال : (ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا و هي القلب ) لكان هذا كافياً .
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " فالمقصود تقوى القلوب لله ، وهو عبادتها له وحده دون ما سواه بغاية العبودية له ، والعبودية فيها غاية المحبة وغاية الذل والإخلاص ، وهذه ملة إبراهيم الخليل ، وهذا كله مما يبين أن عبادة القلوب هي الأصل كما قال النبي (إن فى الجسد مضغة ... )
    ورحم الله ابن القيم إذ يقول في نونيته :
    قطع المسافة بالقلوب إليه لا *** بالسير فوق مقاعد الركبان
    وما أشبعَ كلمات أحمد بن خضرويه حين قال : القلوب أوعية فإذا امتلأت من الحق ؛ أظهرت زيادة أنوارها على الجوارح ، وإذا امتلأت من الباطل ؛ أظهرت زيادة ظلمتها على الجوارح .
    وقد وُصفت قراءة الفضيل بن عياض ــ رحمه الله ــ فقيل : كانت قراءته للقرآن قراءةً حزينة شهية بطيئة مترسلة ، كأنه يخاطب إنساناً .
    • ومما يُبيِّن أن القلب هو المخاطب بدءاً بالقرآن ؛ أمور منها :
    أ‌- أنّ القرآن نزل أولاً على القلب :
    يقول الله تعالى : {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ 192 نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ 193 عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ 194 بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ 195} الشعراء [193-195]
    فقال : {عَلَى قَلْبِكَ} ولم يقل على سمعك أو بصرك أو ذهنك ونحو ذلك ، بل {عَلَى قَلْبِكَ} ، وهذا ظاهر الدلالة .
    ويقول تعالى : {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} (97) سورة البقرة
    فأول جارحة تخاطب بهذا القرآن هي القلب ، فإن أنصت القلب ؛ أنصتت تبعاً له بقية الجوارح ، وإن أعرض كانت كالرعية بلا راعي .
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في التحفة العراقية بعد كلام له طويل عن أحوال القلب قال :
    " وهذا الذي ذكرنا مما يبين أن أصل الدين في الحقيقة هو الأمور الباطنة من العلوم والأعمال وأن الأعمال الظاهرة لا تنفع بدونها ".
    ولذا هُيئ قلب النبي لتلقي القرآن قبل نزوله عليه فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: ( أَنَّ رَسُولَ : أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ ... ) رواه مسلم وللبخاري نحوه .
    وقد وصف الصحابة حال قلوبهم أولَّ سماعهم للقرآن ، ففي الصحيحين عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال : سمعت النبي يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37)} سورة الطور ، كاد قلبي أن يطير .
    • وجاء عن السلف مثل ذلك في أوّل سماعٍ بالقلب للقرآن :
    فعن يونس البلخي قال : كان إبراهيم بن أدهم من الأشراف ، وكان أبوه كثير المال والخدم والمراكب والجنائب والبزاة ، فبينا إبراهيم في الصيد على فرسه يُركِّضُه إذا هو بصوت من فوقه يا إبراهيم ما هذا العبث {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} (115) سورة المؤمنون ، اتق الله ، عليك بالزاد ليوم الفاقة فنزل عن دابته وأخذ في عمل الآخرة.
    وقال الفضل بن موسى : كان الفضيل بن عياض شاطراً يقطع الطريق ، وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينا هو يرتقي الجدران إليها سمع رجلاً يتلو {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} (16) الحديد ، فقال : يا رب قد آن ، فرجع ، فأواه الليل إلى خَرِبة ، فإذا فيها رفقة فقال بعضهم : نرتحل ، وقال قوم : حتى نصبح فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا ، فتاب الفضيل وأمَّنهم ، وجاور بالحرم حتى مات.

    ب‌- كثرة تكرار لفظ القلب في القرآن ، بل أُسند إليه في الآيات ما لم يُسند إلى غيره من الجوارح .
    لفظ القلب والفؤاد والصَّدر في القرآن تكرر كثيراً ، وأُسند إليه في تلك الآيات ما لم يُسند إلى غيره من الجوارح ، وقد وقفتُ ــ ولم استقصِ ــ على أربعين وصفاً أسنده القرآن إلى القلب ، وهي أوصاف جليلة الأثر جداً ، أسوقها من أجل أمر واحدٍ فقط ، وهو أن الوقوف عليها مجتمعة يوقظ الفؤاد لهذا الأمر الجلل ، أما الإحاطة بعلم هذه الأوصاف ودلالاتها ، فهو في فيما نستقبل إن شاء الله ، وأذكر معها شاهداً واحداً من القرآن ، فمن هذه الأوصاف :
    1) وَصْفُ التقوى {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} (32) الحـج
    2) الخشوع {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} (16) سورة الحديد
    3) الهداية {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (11) سورة التغابن
    4) الرأفة والرحمة {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً} (27) الحديد
    5) الألفة {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} (63) الأنفال
    6) الانشراح {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} (22) سورة الزمر
    7) السلامة {إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (89) سورة الشعراء
    8) الإنابة {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} (33) سورة ق
    9) الطهارة {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} (41) سورة المائدة
    10) الربط {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} (11) سورة الأنفال
    11) العقل {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } (46) سورة الحـج
    12) الاطمئنان {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (28) سورة الرعد .
    13) الإخبات {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} (54) سورة الحـج
    14) تزيين الإيمان {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} (7) الحجرات
    15) إنزال السكينة {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ } (4) سورة الفتح
    16) الكسب {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (225) البقرة
    17) الرَّان {كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (14) سورة المطففين
    18) الغفلة {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} (28) سورة الكهف
    19) المرض {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً} (10) سورة البقرة
    20) الختم {خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} (7) سورة البقرة
    21) الرُّعب {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ} (151) سورة آل عمران
    22) الزيغ {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} (8) سورة آل عمران
    23) العمى {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (46) الحـج
    24) التَّقلب {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} (110) سورة الأنعام
    25) الاشمئزاز {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} (45) الزمر
    26) القُفل {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (24) سورة محمد
    27) ضعف الإيمان {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } (14) سورة الحجرات
    28) الطَّبع {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} (35) سورة غافر ،
    29) الوَجَل {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} (2) سورة الأنفال
    30) الرَّيب {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} (45) سورة التوبة
    31) القسوة {وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (43) الأنعام
    32) الغيظ {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء} (15) سورة التوبة
    33) اللهو {لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} (3) الأنبياء
    34) الكفر {وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} (106) سورة النحل
    35) النفاق {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} (77) سورة التوبة
    36) الغِل {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } (47) الحجر
    37) الكِبْر {إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ} (56) سورة غافر
    38) الوسوسة {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} (5) سورة الناس
    39) الحسرة {لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} (156) سورة آل عمران
    40) عدم الفقه {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا...} (179) سورة الأعراف .
    يا أخى الفاضل: هذه أربعون وصفاً ، أربعةٌ منها تكفي لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ،
    فلنكرِّر النظر فيها ــ ثانيةً وثالثة ــ ، ونفكَّر في هذه الارتباط الوثيق والميثاق الغليظ بين القرآن والقلب ، ثم تأمل في أثر ذلك على قلبك .

    ج) أنَّ أعظم أثر ٍ للقرآن إنما هو في القلب :
    فأعظم ما يحدثه الإقبال على القرآن هو حياة القلب وصلاحه ، وأعظم داءٍ يُصاب به المعرض عن القرآن هو موت القلب وقسوته ،ولذا قُصِرت الذكرى على من كان له قلب أو اجتهد في إحضار قلبه مع القرآن
    كما قال تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (37) سورة ق .
    وقد نبَّه صلِ الله عليه وسلم على عظم أثر الإعراض عن القرآن ، وأن ذلك يَحْرِمُ القلبَ من أنوار الوحي
    فقال تعالى : {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (24) سورة محمد .
    وقال الإمام عبد الأعلى التميمي في قوله تعالى {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} (107) سورة الإسراء ، قال : إن من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن قد أوتي من العلم ما لا ينفعه لأن الله نعت أهل العلم فقال : {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} .
    وعن ابن مسعود قال : إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره .
    واشتهر عن السلف قولهم : إنما العلم الخشية .
    وقال الحسن في قوله تعالى : {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ} (49) سورة العنكبوت .
    قال : {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} هو القرآن ، {فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} يعني المؤمنين .
    قال ابن كثير : لأنه محفوظ في الصدور ميسر على الألسنة مهيمن على القلوب معجز لفظا ومعنى .
    وفي مرسل الحسن رضي الله عنه قال : العلم علمان :
    1) علم في القلب فذاك العلم النافع .
    2) وعلم على اللسان فتلك حجة الله على خلقه .
    فليس العلم ولا الإيمان ــ عندهم ــ بكثرة القراءة بل بخشوع القلب وخشيته .
    وفي صحيح مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : (التَّقْوَى هَاهُنَا) وَأشَارَ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّات .
    • والنصوص في الباب كثيرة ، لكني أذكر بعض البيان العملي للرسول صلِ الله عليه وسلم ثم بعض أتباعه رضوان الله عليهم :
    ففي السنن عن عبد الله بن الشِّخير قال : (رأيت رسول الله يصلي بنا وفي صدره أزيز كأزيز المِرجَل من البكاء) صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح : إسناده قوي .
    وثبت عند أحمد والنسائي والحاكم ومن حديث أبي ذر : أنه صلِ الله عليه وسلم قام بآية يرددها حتى الصباح وهي قوله تعالى {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }(118) المائدة .
    وفي الدر المنثور عند تفسير قوله تعالى {أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء} (50) الأعراف . أن عبد الله بن عمر شرب ماء باردا فبكى فاشتد بكاؤه فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : ذكرت آية في كتاب الله {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} (54) سورة سبأ ، فعرفت أن أهل النار لا يشتهون إلا الماء البارد وقد قال الله جل وعلا {أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ} .
    وفي صِفة الصفوة : عن سعد بن زنبور قال : كنا على باب الفضيل بن عياض فاستأذنا عليه فلم يؤذن لنا ، فقيل لنا : إنه لا يخرج إليكم أو يسمع القرآن ، قال : وكان معنا رجل مؤذن ــ وكان صيتاً ــ فقلنا له : اقرأ {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} ورفع بها صوته ، فأشرف علينا الفضيل ، وقد بكى حتى بل لحيته بالدموع ، وأنشأ يقول :
    بلغتُ الثمانينَ أو جِزتُها *** فماذا أُؤملُ أو أنتظر
    أتى لي ثمانون من مولدي *** وبعد الثمانين ما يُنتظر
    علتني السنونَ فأبلينني *** .............
    قال : ثم خنقته العبرة وكان معنا علي بن خَشْرَم فأتمه لنا فقال :
    علتنـــي السنــونَ فأبليننــــي *** فرَقَّتْ عظامي وكلَّ البصر

    د ) المقصود الأعظم من القرآن هو تدبر القلب له .
    قال الإمام السيوطي في الإتقان : وتسن القراءة بالتدبر والتفهم فهو المقصود الأعظم والمطلوب الأهم وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب .
    وقد أبان الله (جل جلاله) عن الحكمة من تنزيل هذا الكتاب فقال تعالى {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ } (29) ص ، واللام في قوله (لِّيَدَّبَّرُوا) هي لام العلة ، فهو لن يكون مباركاً مباركةً تامة إلا بالتدبر .
    وقال تعالى {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(24)سورة محمد ، فإما التدبر أو الأقفال ــ وليس قفلاً واحداً ــ على القلب :
    هما طريقان ما للمرء غيرهما *** فانظر لنفسك ماذا أنت تختار
    • ولذا ذم النبي من قرأ بعض الآيات ولم يتفكر بقلبه .
    فثبت عند ابن حبان في صحيحه وغيره عن عائشة (رضى الله عنها)قالت : قال رسول صلِ الله عليه وسلم : لقد أنزلت على الليلة آية ؛ ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ} الآيات من آخر سورة آل عمران .
    ولعلنا لا نحصي كم سمعنا وقرأنا هذه الآيات ، لكن لو تأملنا مليّاً قوله صلوات الله وسلامه(ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها) لتغير الحال ، والله المستعان .
    وهذا ريحانة القُرَّاء من أصحاب رسول صلِ الله عليه وسلم ابنُ مسعود يقول عن القرآن : قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكون هم أحدكم آخر السورة .
    وأختم بمحكم من القول للإمام محمد بن الحسين الآجري يقول فيه : والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبره أحب إلي من كثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه ، فظاهر القرآن يدل على ذلك،والسنة، وأقوال أئمة المسلمين .
    ولذا في مثل هذه المواطن استوقف النفس وحاسبها ، وانظر في حال السلف مع القرآن ، ثم في حالها هي مع القرآن ، قِسْ هذا إلى ذاك ، وقارن بين الحالين ، ثم اختر لنفسك ، وفقك الله لصلاح قلبك .
    فيا أخا القرآن : إذا أردت أن تفتح صفحات هذا القرآن المجيد ؛ فقبل هذا تفقد قلبك هل فتحت صفحاته هو أيضاً ؟ أم على قلوب أقفالها ؟

    وفقك الله لهداه .
    [/align]
  4. عصفورة الشرق

    عصفورة الشرق وما توفيقى ألا بالله

    إنضم إلينا في:
    ‏1 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    272
    الإعجابات المتلقاة:
    1
    نقاط الجائزة:
    0
    مكان الإقامة:
    مصر
    رد: فن تدبر القرآآآآآآآآآآآآآن

    [align=center]المرحلة الثالثة :
    كيف نقرأ القرآن ؟
    من عظيم شأن القرآن عند الذي تكلّم به سبحانه ، أن كيفية القراءة لم تُترك لنا ، بل جاء القرآن بالكيفية التي تكون عليها قرآته ، ومن ذلك :
    • قوله تعالى {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} (106) سورة الإسراء ، وهو أمر بالمكث وترك العجلة عند القراءة ، فعن مجاهد بن جبر ــ رحمه الله ـــ سُئل عن رجلين أحدهما قرأ البقرة وآل عمران والآخر قرأ البقرة ، وقيامهما واحد ، وركوعهما وسجودهما واحد ، وجلوسهما واحد ، أيهما أفضل ؟
    قال : الذي قرأ البقرة وحدها أفضل ، ثم قرأ : {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} .
    فهلاَّ استوقفت قلوبَنا أمثال هذه الفتاوى من هؤلاء الأئمة، وأيقظتها من غفلتها ؟
    • وقال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا } (4) المزمل ، قال ابن عباس : يقرأ آيتين ثلاثة ثم يقطع ، لا يُهَذرِم . وقال مجاهد : تَرسَّلْ فيه ترسلاً .
    • وقد امتثل النبي صلِ الله عليه وسلم هذا الأمر :
    ففي صحيح البخاري عن أنس رضى الله عنه أنه سئل عن قراءة رسول الله صلِ الله عليه وسلم هذ؟ فقال : كانت مدّا ، ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) يمد الله ، ويمد الرحمن ، ويمد الرحيم .
    وروى أبو داود و الترمذي وغيرهما عن أم سلمة أنها نعتت قراءة النبي صلِ الله عليه وسلم بأنها : قراءة مفسرة حرفاً حرفاً. قال الترمذي : حسن صحيح غريب .
    وقال قتادة : بلغنا أن عامة قراءة النبي صلِ الله عليه وسلم هذكانت المدّ .
    • ومن الأدلة على كيفية القراءة قوله تعالى في سورة القيامة : {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) } إلى قوله تعالى {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} .
    هذه الآيات سبب نزولها معروف لكنها جاءت في سياق الكلام عن القيامة ، فالسباق في يوم القيامة وأهواله وحال الإنسان فيه ، واللحاق في العاجلة والآخرة والموت والبعث ، فلأي شيء جاءت هذه الآيات الأربع في هذا السياق ؟
    إنه النهي عن العجلة في القراءة وتحريك اللسان بها سريعاً ، خصوصاً في مثل هذه الآيات العظيمات عن مقدمات القيامة وأهوالها .
    • وأما الآثارعن السلف :
    ففي الصحيحين عن ابن مسعود : أن رجلاً قال له : إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة ، فقال : هَذَّاً كَهذِّ الشِّعر ، إن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع .
    وقال ابن أبي مليكة : سافرت مع ابن عباس فكان يقوم نصف الليل فبقرأ القرآن حرفاً حرفاً ثم يبكي حتى تسمع له نشيجاً .
    وقال إسحاق بن إبراهيم الطبري قال ما رأيت أحدا أخوف على نفسه ولا أرجى للناس من الفضيل كانت قراءته حزينة شهية بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنسانا .
    فيا أخا القرآن : هكذا ينبغي أن تكون كيفية قراءتنا لهذا القرآن العظيم حزينةً شهيةً بطيئةً مترسلةً ، وفقك الله لهداه .
    [/align]
  5. عصفورة الشرق

    عصفورة الشرق وما توفيقى ألا بالله

    إنضم إلينا في:
    ‏1 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    272
    الإعجابات المتلقاة:
    1
    نقاط الجائزة:
    0
    مكان الإقامة:
    مصر
    رد: فن تدبر القرآآآآآآآآآآآآآن

    [align=center]المرحلة الرابعة :
    بأي القرآن نبدأ ؟
    هذه مسألة جليلة كبيرة القدر جداً ، قد خفي على كثير من أهل القرآن وجه الصواب فيها ، فوقعوا في خلاف منهج النبي صلِ الله عليه وسلم ومنهج أصحابه رضوان الله عليهم.
    ومنهج النبي صلِ الله عليه وسلم في تعليم أصحابه القرآن هو تعليم الإيمان أولاً قبل تعليم الأحكام ، وهي داخلة ضمن القاعدة المشهورة عند السلف في التعليم ( العالم الرباني : هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره) ، وقد جاء في تعليم الإيمان قبل الأحكام آثار مشهورة :
    • فعن جندب بن عبد الله قال : كنا مع النبي صلِ الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة ، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا .
    • وعن عبد الله بن عمر قال : تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً ، وأنتم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون الإيمان .
    • وعنه رضى الله عنه قال : لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن ، وتنزل السورة على محمد صلِ الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تعلمون أنتم اليوم القرآن ، ثم لقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدرى ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه .
    • وفي لفظ عنه رضوان الله عليه قال : إنا كنا صدور هذه الأمة وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله صلِ الله عليه وسلم وصالحيهم ما يقيم إلا سورة من القرآن أو شبه ذلك ، وكان القرآن ثقيلا عليهم ، ورزقوا علما به وعملا ، وإن آخر هذه الأمة يخف عليهم القرآن حتى يقرأه الصبي والعجمي لا يعلمون منه شيئاً .
    • وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله(صلِ الله عليه وسلم): إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة " متفق عليه
    قال ابن تيمية : والأمانة هي الإيمان أنزلها في أصل قلوب الرجال.
    • ويقرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في كلام ماتعٍ له في بيان حقائق الدين ، ويستشهد لذلك بآياتٍ من كتاب الله ، منها :
    1) قوله تعالى : {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} (17) سورة هود .
    فالبينة من الله هي الإيمان ، والذي يتلوه هو شاهد القرآن .
    2) وقوله تعالى : وفي آية النور {نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء} (35) النــور.
    النور الأول هو نور الإيمان والذي يأتي بعده هو نور القرآن .
    يقول رحمه الله :
    " فتبين أن قوله {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} (17) سورة هود ، يعنى هدى الإيمان ، {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} أي من الله يعنى القرآن ، شاهد من الله يوافق الإيمان ويتبعه وقال : {وَيَتْلُوهُ} لأن الإيمان هو المقصود ، لأنه إنما يراد بإنزال القرآن الإيمان وزيادته .
    قال : ولهذا كان الإيمان بدون قراءة القرآن ينفع صاحبه ويدخل به الجنة ، والقرآن بلا إيمان لا ينفع في الآخرة بل صاحبه منافق ، كما فى الصحيحين عن أبى موسى عن النبي صلِ الله عليه وسلم أنه قال :{ مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها }الحديث ".
    وقال رحمه الله : " وقال بعضهم فى قوله {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} قال : نور القرآن على نور الإيمان كما قال : {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا} (52) سورة الشورى ، وقال السدي فى قوله {نُّورٌ عَلَى نُورٍ} نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه".
    وقال : " ولهذا دخل في معنى قوله خيركم من تعلم القرآن وعلمه تعليم حروفه ومعانية جميعا بل تعلم معانيه هو المقصود الأول بتعليم حروفه وذلك هو الذي يزيد الإيمان كما قال جندب بن عبد الله وعبد الله بن عمر وغيرهما تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا وإنكم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون الإيمان"
    فإن سألت : ما الإيمان الذي نتعلمه اولاً قبل الأحكام ؟
    فالجواب : هو أوائل ما علَّمه النبي صلِ الله عليه وسلم لأصحابه ، وهو أوائل ما نزل من القرآن .
    فالإيمان الذي تكرر ذكره والتأكيد عليه في ابتداء دعوة المصطفى (صلِ الله عليه وسلم)هو ثلاثة أقسام :
    الأول : الإيمان بالله [ ربوبيةً وألوهيةً وأسماءً وصفات ] .
    الثاني : الإيمان برسوله (صلِ الله عليه وسلم) .
    الثالث : الإيمان بالبعث لليوم الآخر .
    فإن قيل : وكيف نتعلم هذا الإيمان ؟
    قيل : من طريقين :
    الأول : بالتفكر في آيات الله المرئية ،
    الثاني : بالتفكر في أوائل ما نزل من الآيات المتلوة ، التي غرست الإيمان كالجبال في قلوب أصحاب(رسول الله صلِ الله عليه وسلم) .
    وقد جمعهما الله تعالى في أوّل ما نزَّل على نبيه صلِ الله عليه وسلم في قوله تعالى : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)} العلق .
    فجمع له بين القراءة باسم الله ، وبين التذكير بنعم الرب على عباده .
    فإن قلتَ : قد قرأنا أوائل ما نزل بل وحفظناه ولم نرَ أثر ذلك في إيماننا .
    فالجواب ــ يا أخا القرآن ــ : أننا لم نأخذ القرآن كما أخذوه .
    فإن سألت : عن أخذهم للقرآن ؟
    فأقول :
    أن القرآن تنزيلُ رب العالمين ، وهو كتاب عظيمٌ {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ} (67) سورة ص ،
    وثقيلٌ {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا} (5) سورة المزمل ،
    بل بلغ الغاية في الإعجاز وشدة التأثير {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} أي لكان هذا القرآن قاله قتادة والفراء وابن قتيبة وابن عطية وابن كثير والسَّعدي وغيرهم.
    وقد أدرك سلفنا الصالح هذه المسألة ، فهذا مالك يُسأل عن مسألة فقال : لا أدري ، فقيل له : إنها مسألة خفيفة سهلة، فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف، ألم تسمع قوله جل ثناؤه: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا}
    ولذا كانوا يأمرون بأن يُؤخذ القرآن كما نزل متدرجاً ، ويحذرون من ضده أشد التحذير ، لأمور منها :
    1) لأن ذلك لا يُستطاع أبداً لعظم القرآن وثقله كما سبق .
    2) ولأن أخذه كما نزل يُثبت الفؤاد {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا} (32) سورة الفرقان .
    3) ولأن أخذه متدرجاً يُوطِّن النفس على قبول ما يأتي بعد الآيات الأول من الشرائع والحلال والحرام ، كما أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين قالت :
    ” إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس للإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا : لا ندع شرب الخمر ، ولو نزل أول شيء : لا تزنوا لقالوا : لا ندع الزنا ، وإنه أنزلت وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) القمر ، بمكة على رسول الله (صلِ الله عليه وسلم)وإني جارية ألعب ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده" .

    وهذا الوصف منها لبيان أثر المنهج الذي تنزّل به القرآن من أعظم ما يكون خطراً على من خالفه ولم يلتفت إليه ، فإن قولها (ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا : لا ندع شرب الخمر ...) بيان لحال صحابة رسول الله (صلِ الله عليه وسلم)مع نهي الله ورسوله ، فالآمر هو الله والمبلغ رسول الله (صلِ الله عليه وسلم)والمأمور أصحاب رسول الله (صلِ الله عليه وسلم)، ثم بعد هذا ــ لو أن منهج التدرج في تنزّل القرآن خُولف ــ يكون الرد (لا ندع شرب الخمر ، لا ندع الزنا) .
    فما بالك بجواب غيرهم من بقية الأمة حين يُقال لهم أولاً (لا تشربوا الخمر ، لا تزنوا ، لا تفعلوا كذا وكذا ) ؛ الجواب نراه عياناً بياناً في موقف الأمة من أوامر ربها وأوامر رسولها ، ولاشك أن هذا ليس هو السبب الأوحد ، لكنه سبب رئيس لابد من التفطن له .
    فإن قائل قال : فما المنهج الذي تعلّم وعلِّم أصحاب رسول الله (صلِ الله عليه وسلم)عليه القرآن ؟
    فالجواب : هو البدء بالمفصل أولاً .
    وهو الذي ذكرته عائشة في الحديث السابق حين قالت : ( إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار ) .
    وحين قالت : (وإنه أنزلت  بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ(46) القمر ، بمكة على رسول الله (صلِ الله عليه وسلم) وإني جارية ألعب ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ) .
    وهذا هو منهج الصحابة :
    ففي مصنف عبد الرزاق : أن عمر كان لا يأمر بنيه بتعليم القرآن ، ويقول : إن كان أحد منكم متعلماً فليتعلم من المفصل فإنه أيسر.
    وفي صحيح البخاري (باب تعليم الصبيان القرآن) : عن سعيد بن جبير قال : إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم ، قال : وقال بن عباس رضي الله عنهما : جمعت المحكم في عهد رسول الله (صلِ الله عليه وسلم)، فقلت له : وما المحكم ؟ قال : المفصل .
    وقال رضي الله عنهما: تُوفي رسول الله (صلِ الله عليه وسلم) وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم .
    فابن عباس –رضي الله عنهما -حين بدأ في زمن رسول الله (صلِ الله عليه وسلم)بدأ بالمفصل (المحكم)
    فالبدء بالمفصل له ميزات عدّة منها ما يلي :
    1) أنه هو الذي يغرس الإيمان في القلب كأمثال الجبال .
    وهذا هو الذي أشارت إليه عائشة -رضي الله عنها- في الحديث السابق حين قالت : ( لقد نزل أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس للإسلام نزل الحلال والحرام) .
    فسور المفصل هي التي تجعل القلب يثوب ويطمئن بالإيمان فإذا جاء الحلال والحرام بعد ذلك كان السمع والطاعة لرب العالمين ولرسوله الأمين.
    وبين أيدينا شاهد حيٌ لا يغيب وهم صحابة رسول الله (صلِ الله عليه وسلم)من السابقين الأولين حين زكّت نفوسهم هذه الآيات العظيمة من هذا الكتاب العظيم ، حتى أصبح الإيمان في قلوبهم كالجبال الرواسي .
    وتأمل معي هذه السور التي هي من أوائل ما نزل من القرآن باتفاق أهل التفسير ، تأملها سورةً سورة ولا تعجل ــ شرح الله صدرك بكتابه ــ :
    1) سورة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}
    2) سورة {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}
    3) سورة {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}
    4) سورة {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}
    5) سورة {وَالضُّحَى}
    6) سورة {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}
    7) سورة {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}
    8) سورة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}
    9) سورة {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}
    10) سورة {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا}
    11) سورة {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}
    12) سورة {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ}
    13) سورة {الْقَارِعَةُ}
    14) سورة {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى}
    15) سورة {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} وغيرها ...
    فتأمل مالذي تغرسه هذه السور في القلب لو قرأناها وفهمناها كما يريده الله منّا ؟
    الأمر عظيم جليل ، فتدبر فيما نزلت ، وفقك الله لهداه .
    ومما ينبغي التنبيه عليه في مثل هذا الموطن أن حزب المفصل من كتاب الله جاء لتقرير ثلاث حقائق :
    أ) توحيد الله في ربوبيته وألوهيته .
    ب) إثبات البعث والدار الآخرة .
    ج) الأمر بمكارم الأخلاق .
    وبيان هذا وذكر أدلته من الكتاب والسنة ثم من كلام أهل العلم ليس هذا محلّه ، وإنما أردت الإشارة إليه ، لعل قارئ المفصل يُفيد منه في حين تدبره لهذا الحزب من القرآن .
    2) أنه أيسر في الفهم لأنه محكم ليس فيه متشابه إلا ما ندر .
    وقد سبق قول عمر : إن كان أحد منكم متعلماً فليتعلم من المفصل فإنه أيسر .
    وقول ابن عباس : جمعت المحكم في عهد رسول الله(صلِ الله عليه وسلم)، فقيل له : وما المحكم ؟ قال : المفصل . فهو محكم ظاهر ، بخلاف غيره من القرآن ففيه متشابه .
    وأخرج الدارمي وغيره عن ابن مسعود قال : إن لكل شيء سناماً وإن سنام القرآن سورة البقرة ، وإن لكل شيء لباباً وإن لباب القرآن المفصل .
    [/align]
  6. عصفورة الشرق

    عصفورة الشرق وما توفيقى ألا بالله

    إنضم إلينا في:
    ‏1 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    272
    الإعجابات المتلقاة:
    1
    نقاط الجائزة:
    0
    مكان الإقامة:
    مصر
    رد: فن تدبر القرآآآآآآآآآآآآآن

    [align=center]المرحلة الخامسة :
    كيف نستفيد من كُتب التفسير ؟
    كتب التفسير المناسبة لهذا المستوى كثيرة ، منها :
    1) المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير للمباركفوري .
    2) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للعلامة السَّعدي .
    3) زبدة التفسير من تفسير فتح القدير لـ د. محمد بن سليمان الأشقر .
    4) التفسير الوجيز لـ د. وهبة الزحيلي ، ومعه أسباب النزول ، وقواعد الترتيل .
    5) أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري .
    o والذي أراه لعموم المسلمين أن يجمعوا بين كتابين هما :
     المصباح المنير . وهو تفسير مختصر يعتني بالآثار ويرتبها ، وهو يفيد في بيان معنى الكلمة عند السلف رضوان الله عليهم أجمعين .
    فإن كان المصباح المنير فيه عُسُر ؛ فزبدة التفسير للأشقر فيه نفع كبير .
     تيسير الكريم الرحمن للعلامة السَّعدي ، لأنه يعتني بالمعاني العامة ، وبمسائل الإيمان والتربية ونحو ذلك ، ويُصرِّح بالعقيدة الصحيحة ، وينبِّه على مخالفة المخالفين لها ، وغير ذلك مما يحتاجه عموم المسلمين .
    فيقرأ أولاً في (المصباح) أو (زبدة التفسير) فيأخذ معاني الكلمات ، ثم في تفسير السعدي فيأخذ المعاني العامة .
    فإن شق على أحدٍ أن يجمع بين كتابين فعليه بكتاب (أيسر التفاسير ) فإنه جمع بين بيان اللفظ والمعنى ، وإن كان دون ما تقدم في التحرير لكنه مفيد ، وقد نفع الله به في مشارق الأرض ومغاربها .
    [/align]
  7. عصفورة الشرق

    عصفورة الشرق وما توفيقى ألا بالله

    إنضم إلينا في:
    ‏1 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    272
    الإعجابات المتلقاة:
    1
    نقاط الجائزة:
    0
    مكان الإقامة:
    مصر
    رد: فن تدبر القرآآآآآآآآآآآآآن

    [align=center]خاتماً
    أسأل الله (العلى العظيم)أن يرزقنا جميعاًً الفقه في دينه ، وأن يعلمنا تأويل كتابه .
    اللهم إنا نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا .
    اللهم اجعل لنا من كتابك العظيم في قلوبنا نورا وفي أسماعنا نورا وفي أبصارنا نورا وفي ألسنتنا نورا واجعل لنا منه نورا يا نور السموات والأرض ..
    [​IMG]
    [/align]

مشاركة هذه الصفحة