حديث : لم يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ؛

الموضوع في 'المنتـــــــــــــــــدي الأســــلامي' بواسطة عصفورة الشرق, بتاريخ ‏27 مارس 2010.

  1. عصفورة الشرق

    عصفورة الشرق وما توفيقى ألا بالله

    إنضم إلينا في:
    ‏1 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    272
    الإعجابات المتلقاة:
    1
    نقاط الجائزة:
    0
    مكان الإقامة:
    مصر
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضى الله عنه)، قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ؛ ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَوْلُهُ :إِنِّي سَقِيمٌ، وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا. وبَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنْ الْجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ : أُخْتِي. فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلَا تُكَذِّبِينِي. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ، فقالت: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ، فأُخذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ. فَدَعَتْ اللَّهَ فَأُطْلِقَ.
    ثُمَّ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ الثَّانِيَةَ فدعت: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ، فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ. فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ. فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ. فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَاً؟ قَالَتْ : رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ. رواه الشيخان.

    شرح الحديث
    أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في بدايةالحديث: أنّ إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث مرات، ثنتين منها في ذات الله، جاء في رواية :«كلها في ذات الله» [أخرجه أبو يعلى]، وللترمذي: «مَا مِنْهَا كَذِبَةٌ إِلَّا مَا حَلَ بِهَا عَنْ دِينِ» أي : جادل بها عن دين الله، وإنما خصَّ النبي  اثنتين لأن الثالثة وإن كانت في ذات الله إلا أنَّ لنفسه حظاً فيها. ولكنّ الثلاث في ذات الله تعالى .

    الأولى: قوله: إني سقيم
    أي سأسقم. كما قال تعالى : إنك ميت أي ستموت ؛ لأن الإنسان يمرض في الدنيا ويصح ، ويفرح ويحزن .. فهذه أمور لا شك أنها تجري علينا –نحن البشر- .
    والثانية:  فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فاسألوهم إن كانوا ينطقون
    أي : إن كان ينطقون ففعله كبيرهم هذا ، ولكنهم لا ينطقون فكيف يفعله. وقيل أراد لهم ضرب المثل. كما قال الملكان لداود عليه السلام :إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ولم يكن أخاه وليس له نعاج ، وإنما جرى الكلام مجرى التنبيه لداود عليه السلام على ما فعل ، والمراد ضرب المثل. قال ابن كثير رحمه الله في حديث :«كذب إبراهيم ثلاث مرات» :" ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله، حاشا وكلا ، وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزاً ، وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني، كما جاء في الحديث: «إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب» " .
    والمعاريض جمع مِعْراض، والتعريض أن تقول كلاماً محتملاً تقصد به خلاف ما يظنه السامع، ولا حرج فيها، وحديث: «إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب» لا يصح مرفوعاً، ولكنه ثبت عن عمران بن حصين عند البخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح.
    والمراد: إن في المعاريض فسحةً وسعة.
    وسأذكر بعض النماذج التي ذكرها ابن قدامة رحمه الله في المغني في هذا الباب:
    فمن ذلك ما روي من أن مُهَنا والمروذي وجماعة كانوا عند الإمام أحمد، فجاء رجل يطلب المروذي، ولم يرد المروذي أن يكلمه، فوضع مهنا أصبعه في كفه وقال: ليس المروذي هاهنا وما يصنع المروذي هاهنا؟ يريد ليس هو في كفه، ولم ينكر ذلك أبو عبد الله.
    وروي أن مهنا قال للمروذي: إني أريد الخروج -يعني السفر إلى بلده- وأحب أن تسمعني الجزء الفلاني، فأسمعه إياه ثم رآه بعد ذلك فقال: ألم تقل إنك تريد الخروج؟ فقال له مهنا: قلت لك إني أريد الخروج الآن؟ فلم ينكر عليه.
    وكان إبراهيم النخعي إذا طلبه إنسان ولم يرد لقياه خرجت إليه الخادم وقالت: اطلبوه في المسجد.
    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا، ومن مزاحه أن يوهم السامع بكلامه غير ما عناه وهذه هي المعاريض والتورية، فقد قال صلى الله عليه وسلم لعجوز: لا تدخل الجنة عجوز يعني أن الله ينشئهن أبكاراً عربا أترابا.
    وقال أنس: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله احملني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنا حاملوك على ولد الناقة». قال: وما أصنع بولد الناقة ؟ قال : «وهل تلد الإبل إلا النوق» رواه أبو داودز
    وقال لامرأة -وقد ذكرت له زوجها- : «أهو الذي في عينه بياض»؟ فقالت: يا رسول الله أنه لصحيح العين! وأراد النبي صلى الله عليه وسلم البياض الذي حول الحدق.
    وقال لزاهرٍ  -وقد احتضنه من ورائه- : «من يشتري هذا العبد»؟ فقال: يا رسول الله تجدني إذا كاسداً قال : «لكنك عند الله لست بكاسد».
    وهذا كله من التأويل والمعاريض وقد سماه النبي صلى الله عليه و سلم حقاً، فقال: «لا أقول إلا حقا».
    ويروى عن شقيق أن رجلا خطب امرأة وتحته أخرى فقالوا: لن نزوجك حتى تطلق امرأتك. فقال: اشهدوا أني قد طلقت ثلاثاً، فزوجوه، فأقام عند امرأته، فقالوا: قد طلقت ثلاثاً؟! قال: ألم تعلموا أنه كان لي ثلاث نسوة فطلقتهن؟ قالوا: بلى قال: فهذا ما أردت.
    وقد أوردت كل ذلك لئلا يظن أن خليل الله باشر الكذب الذي يمقت الله عليه، حاشا وكلا.
    والثالثة: قوله عن سارة: هي أختي
    فالمراد أخوة الإيمان.
    إن من أعظم فوائد هذه القصة الخالدة أنّ الله يدافع عن المؤمنين .. أما قال الله : إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحين ؟ أما قال الله : إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ؟
    ومن فوائدها: أنّ للدعاء أثراً كبيراً في تحقيق العفاف، فسارة عليها السلام اعتصمت به فلم تُمَس بسوء.
    ومما يوضح أهمية الاعتصام بالدعاء لتحقيق العفة هذه القصة الوادردة في مسند الإمام أحمد:
    استحكمت الشهوة بأحد الشباب فجاء إلى رسول  يطلب منه أن يأذن له في الزِّنا قائلاً : يا رسول الله ائذن لي في الزِّنا . فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه ! فقال  «ادن» ، فدنا منه قريباً ، قال : «أتحبه لأمك»؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك . قال : «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم» . قال: «أفتحبه لابنتك»؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك . قال : «ولا الناس يحبونه لبناتهم» . قال: «أفتحبه لأختك»؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك . قال : «ولا الناس يحبونه لأخواتهم» . قال : «أفتحبه لعمتك»؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك . قال : «ولا الناس يحبونه لعماتهم» . قال : «أفتحبه لخالتك »؟ . قال : لا والله جعلني الله فداءك . قال : «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». قال : فوضع يده عليه وقال : «اللهم اغفر ذنبه ، وطهر قلبه ، وحصن فرجه». فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء "
    والشاهد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فتحققت العفة، كما اعتصمت بالدعاء سارة فتحقق مرادها .
    ولذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول :« اللهم إني أسألك الهدى ، والتقى ، والعفاف ، والغنى» رواه مسلم. ولما قال ابن حُمَيد للنبي صلى الله عليه وسلم علمني دعاءً ، قال له : «قل : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي ، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي ، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي ، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي ، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي» أخرجه أبو داود.
    والمعنى كما قال في عون المعبود (4/286): " وَهُوَ أَنْ يَغْلِبَ ماؤه عَلَيْهِ حَتَّى يَقَعَ فِي الزِّنَا أَوْ مُقَدَّمَاتِهِ ، يَعْنِي مِنْ شَرّ فَرْجِهِ".
    فوائد من الحديث
    إن من فوائد هذه القصة أنّ إبراهيم لما أُخذت زوجته ، وحلّ الظلم بساحته لجأ إلى ربه بالصلاة ، وهذا هو هدي نبينا صلى الله عليه وسلم ، ففي سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
    ولما ظنت مريم عليها السلام أنّ جبريل من البشر وأراد بها سوء قالت : إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً .. ما أحسنَ طنَّها بربها، ولذا ذكرت من أسمائه الرحمن، وفيه من براعة الاختيار ما فيه .
    ويوسف عليه السلام لما راودته امرأة العزيز عن نفسه قال: معاذ الله، وهذا اعتصام منه بالدعاء، وقال: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه، ولشدة اعتصامه بربه ودعائه أنجاه الله، وقالت امرأة العزيز في ذلك: ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، قال ابن عباس: فامتنع، وقال قتادة: فاستعصى.
    من فوائدها: أنّه يستعان بالصلاة على الشدائد والكرب، فإن إبراهيم عليه السلام استعان بها لما أُخذ زوجُه.

مشاركة هذه الصفحة